مجزرة حماة 1982

هذه الصفحة مقتطفة مما كتبه الدكتور خالد الأحمد عن مجزرة حماة

شباط.. عام اثنين وثمانين

الشتاء شاحب يغلف وجه المدينة بلونه الرمادي، ونهر العاصي على غير عادته في تلك المواسم لا يسرع في الجريان… توقفت النواعير عن الدوران.. سكت العاصي حزيناً على حماة.. شباط الأسود، أرخى سدوله يوم الثلاثاء في الثاني منه، ومنذ الآن، سيكون لهذا اليوم وقع خاص، فسورية الوطن، ومنذ ذلك التاريخ، دخلت المجهول، وأصبح مستقبلها على كف شيطان. التفاصيل المرعبة للمجزرة ستكون الكلمات عاجزة عن نقلها وتصويرها، لكننا نترك للأحداث التي عشناها عن قرب، وكنا شهودها منذ اللحظات الأولى، أن تقول جزءاً من الحقيقة، وستكون رحلتنا في دهاليز الجريمة والموت يوماً بيوم، وحتى آخر شباط.. نعرج على المناطق والأحياء التي شهدت شيئاً من فصول المجزرة.

البداية: الثلاثاء الثاني من شباط

 سرايا الدفاع المدرّب على عمليات الاقتحام والقمع داخل المدن فقط، والمتمتع بامتيازات مادية هائلة يعود إلى المدينة مساء ذلك اليوم . تلك الليلة السوداء كانت البداية الفعلية التي استمرت بعد ذلك شهراً كاملاً، ضجت المدينة بأصوات الرصاص والمدافع والقاذفات بدءاً من الساعة التاسعة ليلاً.. سرايا الدفاع مع قوات مكثفة من الجيش النظامي والمرابط هو الآخر على أطراف المدينة) تحاصر منزلاً في حي البارودية) وتشتبه بأنه مركز للمعارضة ضد النظام. تلك الليلة كانت البداية الفعلية للمجزرة . السلطة الحاكمة عمدت إلى إغلاق كل مخارج المدينة، وعزلتها عن العالم الخارجي، ورافق ذلك انقطاع الكهرباء، ومعظم أجهزة الهاتف، وغرقت المدينة منذ ليلة الثلاثاء في ظلام طويل.

إن كل عمليات الإبادة التي تمت بحق المدينة من إعدام الآلاف إلى هدم الأحياء، إلى تدمير الجوامع والكنائس، إلى نبش المقابر.. كل ذلك تم فعلياً بعد أن سيطر الجيش و(جيش السلطة الحاكمة) على المدينة كلياً، وأصبحت بكل شبر فيها تحت بطشه وفي قبضته.

الأربعاء الثالث من شباط

المدينة تحت الحصار الكامل مكممة مطوقة، ألوف الناس داخل البيوت المستسلمة الآمنة، وقد أطبق عليهم الجحيم رجالاً ونساء وأطفالاً. السلطة الحاكمة بجيوشها الجرارة تدخل من كل أطراف المدينة. . لقد حانت الساعة.. وها هي جهنم تبدأ بابتلاع المدينة الشهيرة. منذ صباح هذا اليوم استطاعت كتائب الجيش التابع للسلطة، والقابع على أطراف المدينة منذ سنوات أن تضع يدها على كل شارع وكل زقاق، وكل بيت. لقد استطعنا نحن المحاصرين – ومن شقوق النوافذ المغلقة أن نرى أرتال الجيش الزاحف والراجل والراكب.. عشرات الألوف من الجند – وبأشكال متنوعة من اللباس.

– اللواء 47 المدرع.

– الفرقة الثالثة التابعة للجيش النظامي.

– آلاف من جنود سرايا الدفاع بلباسهم وسلاحهم المميز.

– آلاف من جنود الوحدات الخاصة.

– مجموعات من سرايا الصراع.

– قوات سريعة التحرك تابعة لسرايا الدفاع برئاسة علي ديب.

كل هذه الفرق، وكل هذا العدد الوفير من الجيش.. أعدّته السلطة الحاكمة لاقتحام المدينة، ولملاحقة عدد محدود من المعارضة، حسب زعمها. كان من الواضح في تلك اللحظات.. أن هذا الجيش قد احتل البلد ليسدّد إليها الضربة القاضية، قد يكون مفيداً أن نورد الحادثة الواقعية التالية التي جاءت على لسان مسؤول حكومي كبير.. هو عضو في الجبهة التابعة للسلطة الحاكمة.. يقول هذا المسؤول: “أثناء أحداث حماة، زارني أحد الأصدقاء المقربين من السلطة، وكان قلقاً من الحد اللامعقول الذي وصلت إليه السلطة في قمع المدينة، لما سيترتب على ذلك من نتائج مستقبلية خطيرة. وكان قد اجتمع مع بعض ضباط سرايا الدفاع، وهؤلاء حدثوه عن حضورهم اجتماعات قيادية في مدينة حماة، وقبل عدة أيام من المذبحة، وبالتحديد (الثامن والعشرين من كانون الثاني) عرض عليهم فيها الضابط المسؤول خرائط ميدانية مسبقة معدة لاقتحام المدينة من كافة جهاتها وشوارعها. وقد سأل بعض الضباط أثناء الاجتماع: هل هي معركة مع أهالي المدينة أم مع ما بقي من المعارضة؟ فأجاب الضابط المسؤول حرفياً -ويدعى (علي ديب) قائد اللواء المتحرك التابع لسريا الدفاع، والمتواجد داخل المدينة-: لقد أعطانا الفريق حافظ أسد أوامر صريحة بضرب كامل المدينة – الأهالي قبل المقاتلين -وعلينا تنفيذ هذه الأوامر- والغاية قتل وتهجير أكبر عدد ممكن من أهلها…  يتابع العضو المذكور: وعند هذا الحد أيقنت أن المطلوب تدمير المدينة.

هذه الواقعة صحيحة… وقد ورد مثلها في أحاديث كثيرة، بعضها كان يرد على ألسنة الجنود أنفسهم، لقد سمعناهم يقولون بوضوح وبشكل صريح معلن: “طلب إلينا الضابط أن نقتل كل الأهالي دون تمييز. كانوا يحددون لنا الشوارع، ويطلبون منا الدخول إلى كل بيت فيها، تاركين لنا حرية التصرف من قتل ونهب واعتداء، وكل ما نفعله لسنا مسؤولين عنه، وكل ما نحصل عليه ملك لنا.. لقد سرق رفاقنا الكثير من الذهب. أما الضباط الكبار، فلم يتركوا شيئاً، نقلوا مسروقاتهم على الشاحنات.. ولم نصدق جميعاً أن حماة غنية على هذا النحو!!!”

 وهكذا دون مواربة أو خجل، ودون حاجة لإخفاء العورات، كان هدف السلطة واضحاً… هذا النظام يريد أن تصبح حماة مدينة أخرى، لذلك غيّر معالمها، وهدم شوارعها وأسواقها، ومسح تاريخها، وقضى على المتحف والبيوت الأثرية فيها، وقوّض جوامعها وكنائسها. حتى المقابر درسها، فمات الأموات مرتين، حتى النواعير لم تسلم من حقده… لو تسنى له لغيّر اسم المدينة دون شك.. ولبدّل بسكانها ناساً آخرين، وكنّا نقول: هل كان يغيّر مجرى نهر العاصي لو استطاع؟! اعتقادنا، بعدما رأيناه، أنه كان يفعل.

هذا اليوم الثالث من شباط سيكون من أيام الحزن السوري.. ما الذي حصل؟

إن حيَّ (الحاضر) بشوارعه وأزقته الضيقة، كان فيه بعض جيوب المقاومة الوطنية، وقد حانت الفرصة التي انتظرتها السلطة طويلاً، فحملت راجمات الصواريخ إلى أعالي الأبنية المتواجدة في ساحة العاصي، مقابل سراي الحكومة، بحيث تصبح منطقة (الحاضر) مكشوفة تماماً، ومن هناك بدأت عملية دك المدينة. كانت الصواريخ تنقض بمعدل عشرة أو أكثر في الدقيقة الواحدة، ومع كل صاروخ تخرّ البيوت القديمة على ساكنيها من الرجال والأطفال والنساء. كان (الحاضر) بأكمله يشتعل ببيوته وأزقته وسكانه الذين يتجاوز تعدادهم مئة ألف مواطن، من استطاع منهم الهرب باتجاه القرى الشمالية فقد أسرع تاركاً ركام البيت، وجثث الأعزاء، ومن لم يستطع، انهار البيت عليه، أو احترق وهو فيه. وحتى هذه اللحظة.. لا يستطيع أحد أن يعطي إحصاءً دقيقاً لخسائر هذه المنطقة القديمة، فهناك عائلات أبيدت بأكملها، وذهبت تحت الركام أو احترقت. وهناك بيوت اختلطت على بعضها بأكوام هائلة من التراب والأحجار.. بحيث بات يصعب حتى تقدير عدد المنازل المتهدمة، فضلاً عن جرفها نهائياً بعد ذلك، وتحويلها إلى ساحات ترابية هائلة. باختصار، كان هذا الحي القديم منذ يوم الأربعاء، سحابة كثيفة من الغبار الأسود المختلط بتراب الحجارة المنهارة، ودخان الحرائق المتصاعدة من معظم الأمكنة.. كان (الحاضر) يحترق بأكمله، وينهار بأكمله، ويموت بأكمله. لذلك، مهما كذبت السلطة في تضخيم ما يمكن وجوده من أشكال المقاومة العنيفة داخل الحي القديم، لتبرر ضربها للمدينة، فإنه يبقى فضيحة معلنة.. لأن الحي القديم كان يشتعل من كل جوانبه بصواريخ السلطة منذ اليوم الأول، ولا مجال من الناحية المنطقية لحدوث مقاومة مؤثرة على النحو الذي صوره النظام. إذا تركنا (الحاضر) المحترق وتلفتنا نحو الجانب الآخر من النهر، نجد أمامنا المنطقة الأخرى وهي (منطقة السوق) عصب المدينة التجاري.. وحيث تقع أهم وأكبر الأسواق. في هذا الجانب من حماة كان القصف أخف وطأة تناول بصورة رئيسة الأحياء المحيطة بالقلعة.. مع قذائف صاروخية عشوائية تنهال من كل المرتفعات، وتقع دون تحديد على أي حي أو بيت. هذا اليوم لم تنجُ معظم البيوت في الشوارع الرئيسة من زيارات صاروخية كانت تلتهم سقفاً أو حائطاً بلمح البصر. لكن منطقة السوق ستكون بعد يومين مسرحاً لآخر منجزات حضارة القمع (والعنف الثوري) في فن الإبادة والنهب والاعتداء. في هذا اليوم أيضاً بدأنا نرى شيئاً هاماً.. لقد عمدت السلطة إلى أسلوب الانتشار الكثيف، فتركت الجنود من سرايا ووحدات وجيش نظامي يملئون الشوارع والأزقة، حيث استتب الأمر كاملاً في منطقة السوق، بعد سقوط القلعة.

كان الجنود يقرعون الأبواب، ويطلبون الطعام.. وفعلاً قدّمت لهم كثير من البيوت الطعام والشراب والأغطية.. أحد الجنود كشف عن الحقيقة حين قال لإحدى النسوة: (لقد تركنا الضباط دون طعام أو شراب) قالوا لنا (المدينة مفتوحة وهي لكم بكل ما فيها) معظم الجنود لم يتعبوا طويلاً.. كانت مخازن الأسواق ملأى بكل احتياجاتهم.. وفعلاً.. فتحت من مساء ذلك اليوم مخازن المدينة بكاملها، وبدأ النهب الفعلي المنظم والذي سيستمر طوال اليوم التالي أيضاً.. قبل الانتقال إلى عمليات الإبادة، وحتى يمارس الجنود عملهم القادم براحة ونشاط، وبعد أن يكونوا قد حصلوا على غنائم لا تصدق.. جنود كثر.. ممن تواجدوا داخل الأحياء، وعلى مسافة من الأسواق، كانوا ضيوفاً على كل البيوت. نعم.. حماة المدينة الصابرة قدّمت يوم الأربعاء بل كلّ يوم تقريباً الطعام والشراب والشاي والأغطية للجنود الذين قتلوها، وفي التفصيلات التي سنذكرها فيما بعد ما يشير إلى ذلك بالأسماء.

الخميس: الرابع من شباط

 لا يزال القصف المجنون الذي بدأ منذ منتصف الليل وما يرافقه من موت عبثي محتم.. هو سيد الموقف. منطقة السوق الآهلة بالسكان، بل المكتظة بهم، ستكون بعد قليل مسرحاً لأكبر مشروع من مشاريع حمامات الدم عرفه التاريخ. لكن هذا اليوم.. سيكون بالنسبة لجنود السرايا والوحدات يوم الغنيمة الكبرى. لقد فتحوا منذ البارحة بعض الأسواق واليوم يطبقون عليها كلياً، فلا تسلم دكان واحدة، وبدأت عملية النهب المنظم. تركزت السرقات أولاً على الأموال المودعة داخل المخازن.. في الصناديق الحديدية، أو في حفر مخفية داخل الجدران، يستطيع الجنود الاهتداء إليها جيداً.. بأيديهم وأنوفهم المدربة، وحتى دوائر الدولة، فقد تم فتحها بكاملها.. وسرقت كل الأموال المودعة داخلها.. (بعض هذه الأموال كانت رواتب الموظفين البسطاء عن شهر شباط التي لم يتم قبضها كلها بعد). وحتى سراي الحكومة لم يسلم من التخريب والتدمير والسرقات.. لقد حوله الجنود عن عمد إلى مستودع للقاذورات والنفايات. المحاكم داخل السراي.. مع دوائر السجلات المدنية والعقارية، تحوّلت هي الأخرى، بفضل السواعد (الحضارية الجديدة) إلى صناديق قمامة، فيها آلاف الأوراق الممزقة والمرمية داخل الغرف وفي الممرات وفي الحديقة الخلفية.. كان الجنود وهم يبحثون عن الصناديق الحديدية والأموال المودعة داخلها، يمزّقون كل شيء، ولا يبقون على شيء. وقد باتت مدينة حماة اليوم بدون وثائق ومستندات تضبط الملكية أو العلاقات بين السكان. وفعلاً استطاع الجنود والضباط، بعد أن وضعوا أيديهم على كل الأموال المودعة في الأسواق ودوائر الدولة، أن يحصلوا على غنائم حقيقية توزعوها فيما بينهم. يروي شهود عيان.. أن الجنود حين سرقوا سوق الخضار.. أخذوا الأوراق النقدية من فئة المائة ليرة أو الخمسين.. وكانت بكميات كبيرة.. أما الأوراق النقدية ذات الليرة الواحدة فكانوا يقذفونها على الأرض، ويدوسونها بأحذيتهم.. لأن جيوبهم لم تعد تتسع.  ويقول شهود العيان من مدينة حمص: إن الجنود كانوا يقايضون المائة وعشرين ورقة نقدية من فئة الليرة الواحدة بورقة نقدية واحدة من فئة المائة، ويجبرون التجار في حمص على هذه المقايضة، حتى يسهل عليهم حمل النقود إلى بيوتهم أو قراهم. وهكذا فإن يوم الخميس كان يوم النهب.. وكان جيش السلطة الطائفية مشغولاً بحصر الغنائم وتوزيعها. لكن الأمر لم ينته في الأسواق عند هذا الحد.. لابد بعد ذلك من تغطية السرقات.. ولتحقيق هذا الغرض.. أمر الضباط المكلفون جميع الجنود بحرق الحوانيت بالقنابل الحارقة.. وفعلاً وخلال ساعات تحولت جميع الأسواق إلى فوّهات سوداء. أما البضائع فكانت مرمية على الأرصفة، يدوسها الجنود بأرجلهم، يحملون منها ما استطاعوا، ويتركون الباقي لجولات قادمة. يقول شهود العيان: كان الجنود هذا اليوم مشغولين جداً.. وكانت البضائع تتكدس في الشوارع، ثم تأتي السيارات العسكرية فتحمل ما استطاعت منها، أما ما تبقى، فيُحمل غالباً إلى عيادات الأطباء الفارغة، أو الدوائر الحكومية المستباحة، لتتحول هذه وتلك إلى مخازن لتجميع المسروقات.

الجمعة: الخامس من شباط

 يلاحظ سكان المدينة أن أعداداً إضافية من الجنود أخذت تفد على المدينة من فجر هذا اليوم. كانت الدبابات تهدر فوق الشوارع المزفّتة، ترافقها أصوات الطائرات المروحيّة التي لم ينقطع صعودها أو هبوطها.. ومظهر الجيش على هذه الكثافة أخذ يطرح أمامنا ألف سؤال عن طبيعة مهمته القادمة.. كان معظم الجنود يرتدون الدروع الواقية، وبعض الجنود ارتدوا أقنعة بيضاء على وجوههم. كما لفتت الأنظار كتائب مميزة تعتلي سيارات مصفحة سريعة وصغيرة الحجم، وكانت تضع هي الأخرى الدروع والأقنعة البيضاء.. وعرفنا فيما بعد.. أن هذه تسمى (كتائب الشطب) وأنها تتلقى الأوامر مباشرة من القيادة العليا لسرايا الدفاع. وهكذا تدخل المدينة حمام الدم.. وفي تلك اللحظات الرهيبة من صباح هذا اليوم.. كانت السكاكين فوق أعناق الجميع ودون استثناء.

ظهر الجمعة: ينهمر وابل الصواريخ بجنون على منطقة السوق.. إنه الإنذار ببدء عمليات الذبح. أدى إطلاق الصواريخ إلى تهديم عدد جديد من البيوت، مما دفع بعض الناس إلى الهرب والتجمع في بعض الأقبية القديمة. تجمعات الأهالي المذعورين سهّلت على كتائب الشطب المهمة.. فكانوا يدخلون الأقبية ويعدمون الجميع على الفور. في هذا اليوم بدأت عمليات الإعدام الجماعي بصورة فعلية… بدأ النظام الحاكم يستبيح الأرواح ويحصدها بلا هوادة وفي هذا اليوم بالذات كانت المدينة في قبضة النظام بصورة كاملة. كان الجنود قد سيطروا على الشوارع والأزقة والبيوت، ونهبوا الأسواق في اليوم السابق.. وكان من المفترض أن يرفع الحصار، ويسحب الجيش -على الأقل- من منطقة السوق.. وتتوجه الجهود بعد ذلك للسيطرة الكلية على منطقة (الحاضر) القديمة. في هذا اليوم تصور البسطاء من أهل المدينة أن الحياة الطبيعية ستعود، لأن الجيش قد سيطر كلياً، ولا حاجة لمزيد من الرصاص والصواريخ.. فلقد تهدم ما تهدم من المدينة.. ويكفي السلطة ذلك. لكن الذي حدث.. رهيب وعجيب ومخيف..

ونقلاً عن ضباط سرايا الدفاع الذين تسربت على ألسنتهم بعض الروايات.. عرفنا أن الأوامر قد صدرت عن رئيس الدولة، بمباشرة أعمال الإعدامات، بعد أن استتب الأمر للجيش بصورة كاملة. وبهذه الغاية، فقد قسمت المدينة إلى أقسام، ووضعت تحت إمرة كتائب الشطب، وطلب منها أن تنفذ بكل الأهالي الإعدام الفوري، مع استخدام كل الوسائل التي من شأنها أن تشيع الحد الأقصى من الإرهاب.. وإعطاء الضوء الأخضر لممارسة كل الانتهاكات أثناء عمليات الإعدام.. من نهب واعتداءات على النساء مع حرق البيت وهدمه كلياً إذا اقتضى الأمر..

وهكذا استبيحت المدينة، وهي مستسلمة كلياً للجيش، ودون أن يكون في شوارعها مقاتل واحد، ماخلا بعض أشكال المقاومة الفردية المحدودة في منطقة (الحاضر) وهذه كان يمكن حصرها وتطويقها بسهولة.. مما يدعم ما قلناه سابقاً، حول تصميم السلطة على اغتيال المدينة وذبحها من الوريد إلى الوريد.

في هذا اليوم ارتكبت المجازر في حي الدباغة، وشارع أبي الفداء ونترك للتفاصيل أن تتحدث.

 مجزرة حي الدباغة: هذا الحي تسكنه أعداد وفيرة من الأسر الميسورة والمتعلمة، ويقع هذا الحي في قلب المدينة تماماً، ويتفرع عن هذا الحي شوارع جانبية.. كانت بأكملها ذلك اليوم هدفاً للموت الجماعي، تطل معظم البيوت على السوق التجاري الرئيسي.. هذا السوق الذي تم نهبه في اليوم السابق.. يروي الأهالي مشاهد الرعب المروعة.. يقولون.. انتشر الجنود الغاصبون في الشوارع كالجراد.. وأخرجونا نحن النساء من البيوت، وجمعونا في الشوارع، وقالوا: سنحرقكم جميعاً ونحرق بيوتكم… وبالفعل.. صبّوا المازوت أمامنا على أبواب الدكاكين، وأخذوا يشعلون النار من حولنا.. ونحن نصيح ونتوسل.. طلبوا منا بعد ذلك الدخول إلى البيوت.. مرة أخرى.. وكانوا قبل ذلك قد جمعوا كل الرجال.. رأيناهم.. يُساقون أمامنا كالأغنام.. كان معظمهم بثياب النوم، وبعضهم لم يرتد حذاءه.. كانوا يمشون مع الجند صامتين.. وبعد دخولنا إلى البيوت بدقائق.. انهمر الرصاص بجنون، واشتعل الجحيم في الحي كله.. عرفنا جميعاً.. أن كل الرجال قد استشهدوا وحتى اليوم سيظل بناء الأوقاف الرابض في أول هذا الحي، شاهداً على الجريمة.. ففي داخله تكدّست جثث الشهداء، وكان عددهم يناهز المئة. ولم يكتف الجنود بذلك، بل عمدوا إلى بعض الحوانيت الفارغة، وأدخلوا الرجال إليها، وهناك صبّوا عليهم الرصاص.. وحين اطمأنوا إلى مصرعهم.. أحرقوهم وظلّت الجثث المتفحمة داخل الحوانيت حتى نهاية الأحداث..

 من مجازر هذا الحي نسوق قصة واحدة: عائلة (مفتاح) تسكن في منتصف هذا السوق، وأصحابها من تجار الأحذية المعروفين في المدينة.. دخل الجنود عليهم، فأعدموا كل الرجال.. استطاع بعض الأهالي إدخال الجثث إلى المنزل.. لكن الجنود، حين عمدوا إلى حرق السوق، والجثث داخل الحوانيت، امتدت النار إلى منزل هذه العائلة المنكوبة.. فاضطر من بقي على قيد الحياة إلى الهرب.. تاركين جثث الشهداء تتهاوى وتحترق في لهيب النار. وحتى يكون الحريق أشد شمولاً في هذا الحي، عمد الجنود إلى سكب كميات كبيرة من المازوت على أثاثات البيوت من الداخل.. وهكذا تحوّلت منطقة (الدباغة) بفعل الموت والدمار والحريق إلى جدران سوداء مهدّمة.

مجزرة شارع أبي الفداء: أما في شارع (أبي الفداء) الموازي لحي (الدباغة) تماماً.. فقد تمت المجازر بصورة أبشع وأشدّ همجية. كان الجنود ينتقلون بنظام من بيت إلى بيت، وبالتتابع.. وعلى الجانبين، على طول الشارع الجميل الممتد من ساحة العاصي حتى القلعة، ويقومون بعملية الإعدام داخل البيوت ذاتها.. رجالاً ونساءً وأطفالاً.. ويخلّفون البيت وراءهم مليئاً بالجثث، منهوباً في معظم الأحوال.

 من مآثر ضباط سرايا الدفاع في هذا الحي نروي الوقائع التالية:

– يقول شاهد عيان استطاع أن ينجو من المذبحة بأعجوبة، حين اختبأ فلم يره الجند المنهمكون في عملهم: قتلوا ابنتي وزوجتي أمام عيني.. وبعد الانتهاء استدار أحد الجند إلى الجثتين، فرأى الذهب، فعاد وسحبه من الأيدي والأصابع.. لكن الأقراط (الحلق) استعصت عليه، فقطع بكل بساطة الأذن وحملها في جيبه مع الأقراط. كان مشهداً خرافياً ظللت وقتاً طويلاً أتخيّل أنه كابوس وليس حقيقة.

– مأثرة أخرى.. بناء طابقي يسكنه إخوة عديدون من عائلة “الموسى”.. دخل عليهم الجنود وقتلوا الجميع.. حتى الطفل الرضيع على ثدي أمه.. لم ينج من المذبحة أحد، وتكوّمت الجثث من الرجال والنساء والأطفال داخل المنزل المنكوب.

– جريمة أخرى تبعث على الذهول والتساؤل: تجمعت حوالي أربعين امرأة من نسوة الحي مع الأطفال داخل عيادة أحد الأطباء.. التي تقع في قبو أحد الأبنية الحديثة في هذا الشارع.. لكن ماسورة المياه انفجرت عليهم من تأثير القصف.. فاضطروا للانتقال عبر النوافذ الداخلية إلى قبو مجاور لعائلة طيفور.. وفي هذا القبو حدثت المجزرة.. دخل الجنود وأخذوا يشتمون ويضربون بأعقاب البنادق، ثم فتحوا النار على جميع النسوة مع أطفالهن.. بعض النـسوة ظللن فـي حـالـة نـزف ساعات طويلة.. قبل أن يسلمن الروح.

من المفارقات الرهيبة.. أن طفلاً رضيعاً نجا من المذبحة ووقع تحت جثة أمه.. لكنه ظل يرضع الدم من ثديها طوال يومين قبل أن يعثروا عليه..

من شهيدات هذه المجزرة: الشهيدة ميسّر سمّان.. والشهيدة حياة الأمين.. والشهيدة زوجة المقدم فيصل دهيمش مع بعض أولاده.

وينتهي يوم الجمعة الأسود، والدم يغسل قلب المدينة، والليل يرخي سدوله على جثث شهداء مظلومين ما كان لهم من ذنب سوى أنهم مواطنون في عهد حافظ أسد.

السبت: السادس من شباط

يوم جديد ومجازر جديدة. هذا (السبت) لن يكون خيراً من (الجمعة) السوداء. ستعمل كتائب الموت بهمة ونشاط، وستسيل الدماء أنهاراً.. في حي (جنوب الملعب)، و(سوق الشجرة).

مجزرة جنوب الملعب: سمي الحي بهذا الاسم لوقوعه فعلاً جنوب الملعب البلدي.. والبيوت في هذا المكان يجب أن تكون آمنة.. لوقوعها على أطراف المدينة وبُعْدها عن المراكز المشتعلة.. يضاف إلى ذلك قربها من المستشفى الوطني.. الذي عسكر جنود السرايا والوحدات حوله منذ اللحظات الأولى، بل كانوا ضيوفاً في معظم الأوقات على بيوت هذا الحي، حيث يقدم لهم الأهالي الطعام والشراب. كانت المكافأة يوم السبت.. بعد أيام أربعة من الأحداث.. وبدأ الجنود عملهم كالعادة، بقرع الأبواب، واستدعاء الرجال (كل الرجال) بحجة إلقاء بعض الأسئلة حول بعض القضايا الأمنية. خرج الأهالي الآمنون، وقد صدقوا أقوال الجنود.. وكان الرصاص هو السؤال الوحيد الذي تلقاه هؤلاء الشهداء. ويسقط الجميع صرعى.. وتتكوم الجثث في الأزقة الحديثة والطرقات المزفتة..

في جنوب الملعب لم يبق اليوم سوى الأرامل واليتامى، والإحصاءات تقول: إن عددهم يتراوح ما بين (1800 – 2000) منهم الشهيد النقيب (أحمد عزيز) من سلاح الصواريخ لم تشفع له رتبته فقتله عناصر سرايا الدفاع وهو بلباسه العسكري والشهيد القاضي محمد الواهب مع زوجته التي استغاثت فقتلوها على الفور. والشهيد مدير السجن المدني في حماة وهو مواطن من مدينة دير الزور.. لم تشفع له أيضاً طبيعة عمله كمقدم في سلك الشرطة. أما الأسر.. فبعضها فقدت كل الرجال.. وبعضها الآخر فقد معظمهم، مثل
عائلة اللاذقاني (فقدت تسعة عشر شهيداً).
عائلة الريس (سبعة شهداء).
عائلة قوجة (تسعة شهداء بينهم سبعة إخوة).

مجزرة سوق الشجرة: هذا الحي يقع داخل منخفض من الأرض، ويمتد عبر طريق طويل متعرج آخذاً في العلو حتى منطقة المحطة. يتصل من الجانب الآخر بحي المرابط، وفي الوسط يقوم جامع أثري قديم (لم يبق منه اليوم سوى ساحة ترابية واسعة). دخل الجنود هذا الحي المكتظ بالسكان، حيث تتداخل البيوت القديمة بصورة كثيفة داخل أزقة ضيقة متعرجة.. وجمعوا كل الرجال من معظم البيوت، وطلبوا إليهم الوقوف جانباً.. كانت العملية تتم على أيدي عدد كبير من (جنود السرايا واضعي الأقنعة والدروع) توازعوا كل أطراف الحي وأنحائه، بدءاً من مدخله وحتى نهايته. وقف الرجال على الحائط بحراسة الجنود المدججين. ودخل عدد آخر من الجنود إلى البيوت بحجة التفتيش عن مقاتلين مختبئين. كان الحي فعلاً خالياً من السلاح.. مع ذلك ادعت السلطة أن المقاتلين قد مروا منه.. ووزعوا السلاح على بعض ساكنيه.

بعد التفتيش لم يقع الجنود على شيء.. لكن حصيلتهم من الذهب كانت وافرة.. وبعد أن اطمأنوا إليها.. أخذوا يضربون الرجال العزل بأعقاب البنادق، ويطلبون من النسوة البقاء على أبواب المنازل، للتفرج على ما سيحصل.. بعد دقائق.. أعدم الجنود الرجال واحداً بعد الآخر.. سقط معظمهم على عتبات البيوت.. وظل بعضهم ينزف ساعات قبل أن يسلم الروح.. ودون أن يسمح لواحد من الأهالي بالاقتراب.. آخر هذا اليوم.. غادر الجنود أزقة الحي.. ماخلا بعض الدبابات الرابضة على مداخله، وظلت جثث الشهداء مرمية على الأرض المبللة بالأمطار، بعض الأهالي يقرؤون الفاتحة على أرواحهم.. وبعد أيام عشرة حملتهم الجرافات إلى الحفر الجماعية…

يقول شهود العيان: (في الحي هناك أمٌّ قتلوا لها كل أولادها على عتبة الدار.. وظلت الجثث أمام عينيها طوال أيام عشرة يهطل عليها المطر، ويغطّيها التراب وهي لا تستطيع شيئاً سوى البكاء أحياناً، وقراءة القرآن أحياناً أخرى. كانت تخرج كل يوم تغطيهم وتعود.. إلى أن جاءت الجرافات ونقلتهم مع الجثث الأخرى.

 وفي هذا اليوم تستوقفنا حوادث أخرى غير المجازر.. جديرة بالرواية.. فقد تسربت إلى المواطنين حكايات متعددة عن حدوث حالات اقتتال عنيفة بين الجنود أنفسهم.. فقد لاحظ الأهالي أثناء المداهمات والتفتيش، أن بعض الجند كان يحاول التعبير عن ألمه وضيقه مما يحصل مظهراً عجزه أمام الأوامر العسكرية التي تحتم عليه التنفيذ. وكان بعض الجند أيضاً.. قد أقام صلات إنسانية مع بعض الأهالي المحاصرين.. فجلب لهم الطعام.. أو الحليب للأطفال..

هؤلاء الجند.. وعبر مشاهد الموت والدم.. لم يستطيعوا (وهم بشر) أن يتماسكوا. نعود إلى الواقعة -يقول الجنود أنفسهم- إن كتيبة سرايا الدفاع التي نفذت حكم الإعدام في الشهداء من أهالي (جنوب الملعب) قد تعرضت في داخلها إلى ردّات فعل حادة من قبل بعض الجنود التابعين للسرايا بالذات، حيث عمد هؤلاء إلى فتح النار على رفاقهم، وحاولوا الوصول إلى الضابط المسؤول لاغتياله.. هذه الواقعة حصلت في شارع (العلمين)، وبعد الانتهاء من مجزرة (جنوب الملعب) مباشرة، لكن الجند المتمردين أعدموا على الفور، وكان عددهم (سبعة).

وقائع أخرى يمكن أن نسردها سريعاً، تؤكد أن الجندي (الإنسان) لا يمكن القضاء عليه كلياً.. وبالرغم من كل عمليات غسل الدماغ.. يبقى الحس الوطني في النهاية هو الأقوى..

 في شارع أبي الفداء بالذات، وحيث كان القصف قد شمل البيوت والأهالي جميعاً.. فإن جندياً استطاع أن ينقذ أسرة كاملة.. حين ادعى أمام الضابط، أنه لم يجد في البيت الصغير أحداً.. بينما الأسرة مختبئة في الداخل.. وحين رآها الجندي، وكان وحيداً.. طلب بسرعة من أفرادها الهدوء والاختفاء داخل الخزائن.. وعاد أدراجه بسرعة، بعد أن أطلق عيارات نارية على باب المنزل، وقنبلة حارقة في الزقاق.. وقال للضابط المكلف: المنزل فارغ لم أجد أحداً.

– حكاية أخرى من شارع أبي الفداء أيضاً.. عثر جندي بين جثث القتلى على ثلاثة من الجرحى وقعوا تحتها.. وكانت جراحهم طفيفة. اقتادهم بسرعة، وأدخلهم إلى مخزن قريب جانبي، وأقفل عليهم الباب، وطلب إليهم الهدوء الكامل.. وكان مركز وحدته في الشارع بالذات.. هذا الجندي كان يأتي يومياً بالأربطة والطعام والشراب.. حتى نهاية الأحداث وانسحاب الجيش من الشوارع، إلى أماكن التجمع.. حيث خرج الجرحى الثلاثة، وكان الظن أنهم في عداد القتلى.. ورددوا القصة العجيبة.. والثلاثة اليوم أحياء يرزقون.

الأحد: السابع من شباط

المدينة المحاصرة تتنفس عن صباح جديد.. رائحة الموت والدم والبارود تخيّم على سماء المدينة الأسود.. لاشيء يوحي بأن هذا اليوم سيكون أخف من سابقه.. كان الجو ثقيلاً على الذين لا يزالون تحت الحصار داخل البيوت.. ورهيباً على الذين شاهدوا أحبتهم يذبحون أمام أعينهم، دون أن يستطيعوا حراكاً. كانت المدينة تحتضر، والدم الندي يغسل شارع (أبي الفداء)، وشارع (الدباغة)، و(حي جنوب الملعب)، وكل بيوت (الحاضر) التي تخرّ على ساكنيها الشهداء.

كانت حماة تسقط رويداً رويداً.. والخناجر تطعن في كل أنحاء جسدها.. لكن الموت الكلي دوّن جولات جديدة ستكون اليوم في حي (الوادي) و(المحطة).

مجزرة حي الوادي: يقع هذا الحي داخل منخفض من الأرض، كانت تقوم على جنباته المغاور أصلاً، ومنذ عشرات السنين، يزدحم هذا الحي بأكثر الشرائح الاجتماعية في المدينة فقراً أو بؤساً، معظم الساكنين كانوا إلى وقت قريب دون عمل ثابت (بائعون متجولون أو حمالون على الظهور أو الحمير).. هؤلاء انتعشت أحوالهم المادية قليلاً حين قامت في المدينة بعض المصانع.. فانخرطوا فيها صغاراً وكباراً.. لأنها تعطيهم دخلاً شهرياً ثابتاً هؤلاء المعدمون.. استطاعوا تأمين حياة (مستورة) كما يقال.. هذا الحي بسكانه الفقراء كان هدف السلطة (الثورية) صباح يوم الأحد.. والسبب على لسان السلطة: أن هذا الحي كان من أكثر الأماكن تأييداً للمعارضة المسلحة.. وقد التحق بعض رجاله للقتال.. قد يكون هذا الكلام صحيحاً ومنطقياً في ضوء البؤس الاجتماعي الذي يعاني منه سكان هذا الحي.. لكن ذلك لا يبرر الجريمة، ولا يبرر بقاء مئات الأطفال في حالة يتم داخل بيوت أشبه بالجحور، مع مئات الأرامل اللواتي فقدن كل معيل: الزوج والولد والأخ. النسوة من أهل هذا الحي يتحدثن بصراحة ووضوح: (دخل الجنود علينا من كل منافذ الحي، وسدّوها بالدبابات، وأخذوا يطلقون الرصاص في كل اتجاه، ويحرقون بعض البيوت التي يشتبهون أنها آوت بعض المقاتلين.. أكثر بيوت الوادي كانت قد تشققت أو تهدم بعض جدرانها من تأثير القصف.. أخرجوا الرجال من كل البيوت، وساقوهم كالقطيع خارج الحي.. حتى لم يبق أحد فوق الرابعة عشرة.. وتركونا مع الأطفال فقط… بيوتنا أثارت امتعاضهم.. لعلهم أشفقوا علينا.. لم يجدوا ما يسرقونه. انتظرنا طويلاً دون أن يعود أحد.. ثم أخبرنا الناس بعد ذلك عن جثث كثيرة مرمية في حديقة مدرسة (المرأة العربية) الواقعة خلف الحي.. هناك قتلوا كل رجالنا، ولم يتركوا لنا شيئاً.. أكثر البيوت مهدمة، ولا تصلح للسكن، والزوج والابن والأخ ذهبوا إلى غير رجعة).

الدخول إلى هذا الحي بعد قتل كل رجاله مسألة تبعث على الذهول والجنون معاً.. هؤلاء الفقراء المعدمون.. هؤلاء الأطفال اليتامى الحفاة العراة في برد الشتاء قد فقدوا مرة واحدة كل شيء. حتى الراتب الشهري قطعته الدولة بحجة أن الشهداء يعتبرون من المفقودين وليس هناك ما يثبت وفاتهم، ولا يجوز إعطاء الراتب قبل التأكد من ذلك (وكيف يتأكد الأهالي وآلاف الجثث المتفسخة في الحفر الجماعية قتلت، ودون أن يسألها جندي عن اسم شهيد واحد؟) ومن يستطيع من هؤلاء الفقراء أن يقول للسلطة الحاكمة: إن الجنود العاملين تحت إمرتها، قد قتلوا لهم أولادهم وإخوتهم وأزواجهم وبأوامر منها؟

من الأمثلة الحية الموجعة في هذا الحي.. عائلة العويّر.. وكانت مؤلفة من ستة إخوة يسكنون بيتاً واحداً مع زوجات أربعة، وأم عجوز وجيش من الأطفال.. قتل جميع الإخوة.. وظلت الأم العجوز الفانية مع الأرامل والأطفال.. وبدون أي دخل مادي.. حيث قطعت رواتب هؤلاء الشهداء جميعاً..

مجزرة المحطة: المحطة من المناطق الحديثة نسبياً في المدينة.. وهي تتفرع إلى عدد كبير من الأحياء المحيطة.. منها حي الحوارنة.. وقد قدّر عدد القتلى في هذه المنطقة بحوالي خمسمئة شهيد ينتمون لأكثر من مائة عائلة تسكن هذا الطرف من المدينة. ورغم أن المنطقة لم تطلق رصاصة واحدة ضد السلطة، ولم تشهد شوارعها مقاتلاً واحداً، والجيش عسكر من ليلة الأحداث على أبنيتها، واحتل الكثير من منازلها. ومع ذلك كانت هذه المنطقة السكنية مسرحاً لعمليات الإبادة طيلة يوم الأحد الدامي.

سرايا الدفاع تمركزت بصورة مكثفة داخل شوارع منطقة المحطة، واتخذت من بعض البيوت أماكن إقامة ثابتة لها، بعد أن قتلت أو أمرت أصحابها بالرحيل. وداخل هذه البيوت، عمد الجند من اليوم الأول إلى سرقة كل شيء… وكان الأثاث ينقل أمام أعين الجميع على الشاحنات.. لم يتركوا حتى الملاعق والصحون.. بعد ذلك عمدوا إلى تخريب البيوت من الداخل بشكل مقصود.. كسروا الأبواب والنوافذ، وأشعلوا فيها النار للتدفئة .. لوثوا الجدران ببقايا الطعام .. حوّلوا الغرف إلى مراحيض، وتركوا داخلها أكوام النفايات والقاذورات.

يقول أولئك الذين عادوا إلى بيوتهم بعد رحيل عناصر السرايا: (كانت البيوت شيئاً فظيعاً. ماذا كانوا يفعلون فيها -لا ندري- سرقوا كل شيء حتى الصحون والثياب الداخلية.. فضلاً عن الذهب والأثاث والأدوات الكهربائية… لوثوا الجدران بفضلاتهم.. كانت البيوت مزبلة.. كانوا حيوانات).

لكن الأمر -في منطقة المحطة- لو اقتصر على احتلال البيوت ونهبها لهان الأمر. لقد عمد جنود السرايا وبأوامر مباشرة من ضباط الكتائب، ظهر يوم الأحد، إلى جمع أكبر عدد ممكن من الشباب، معظمهم في سن العشرين.. اقتادوهم من البيوت، وأدخلوهم باحة محطة القطارات خلف السكة الحديدية، وطلبوا من أصحاب البيوت المطلة، أن يخرجوا ليتفرجوا على احتفال الموت.. وهناك فتحوا النار على الأجساد الغضة، وسقط الشهداء مضرجين بدمائهم.. وبقيت جثثهم طيلة تلك الليلة تنهشها الكلاب الجائعة المنتشرة في البراري المجاورة. وفي أحياء أخرى من منطقة المحطة، جمعوا أعداداً أخرى من الشباب. وأعدموهم داخل مدرسة (المرأة العربية).. أو على جدار (مدرسة العميان).. وبعد يومين جاؤوا بالجرافات، ونقلوا الجثث إلى حفرة واسعة.. تقع خلف السكة الحديدية قرب المقبرة.

طيلة يوم الأحد كان الموت يسعى من بيت إلى بيت.. لو استطاعت السلطة لصادرت هواء المدينة.. وكنا نتساءل مشدوهين: هل يعقل أن يصل السلوك البشري في هذا الزمن الحضاري إلى هذا القعر من التوحش والجريمة؟. لكن الموضوع ليس محض جريمة. إنها مؤامرة مدروسة، من أجل أن يكبر نزيف الدم حتى يغطي كل مواطن. إنهم دون شك يذبحون سورية. نعم كانوا يذبحون سورية عبر حماة..

الاثنين الثامن من شباط:

يوم أسود جديد.. نتعقب الإذاعات.. ألم يسمع بموت مدينتنا أحد؟ الإذاعة السورية.. لا تزال على عهدها.. تتحدث عن المواطن في ظل (الثورة).. عن (سوريا الصمود).. عن (الشعب الذي يؤيد السلطة ويلتف حولها) .. عن. عن.. يا لهذا الإعلام الفضيحة.. كان صوت المذيع أقسى وقعاً من الموت.

حتى الإذاعات الأخرى لا شيء. لا شيء. صمت عربي مريب وغربي مشبوه، لا يتحدث إلا في اللحظة المناسبة له وحسب علاقته بنظام الحكم السوري.. هذا اليوم -الاثنين- لن يختلف أبداً عن الأيام السابقة – ستستمر حملات الإبادة بشراسة وقوة. وسيكون الموعد.. مع حي الباشورة – حي المرابط- باب القبلي.

حي الباشورة: وهو حي مرتفع ملاصق لمنطقة (الدباغة).. وكان منذ اللحظات الأولى هدفاً مباشراً للصواريخ تدك معظم بيوته التي تنهار على جثث لا حصر لها. هذا الحي لم ينج منه إلا القليل.. استطاعوا عبر مساعدة بعض الجنود الهرب إلى أحياء أخرى. وهؤلاء الجنود كانوا يفعلون ذلك خفية، تحت تأثير الدوافع الإنسانية.. لكنهم لم يكونوا كثراً.

ما حصل داخل هذا الحي.. سمعناه من ألسنة الجنود.. يقول بعضهم وهو يضحك: (قتلنا الجميع في ا(لباشورة) لم نترك حتى الرضيع) كان الجنود يتحدثون بحرية ولا مبالاة تصل إلى حد الهوس.. يقول بعضهم بكل تبجح ووقاحة: (قتلنا في (الباشورة) مئات الرجال والنساء والأطفال.. وتركنا الجثث للكلاب والقطط).

لكن جنوداً آخرين كانوا يبدون مخاوف وتحفظات واضحة، ويقولون بما يشبه الإحساس بالعجز إزاء كل ما يحدث: “نحن مأمورون.. يقتلوننا إذا لم ننفذ”.

سوق المرابط: الضباط يمسحون خرائط المدينة.. ويريدون قتل من بقي من الأحياء.. إنه ربيع الموت يزهر في كل شوارع حماة دون استثناء. واليوم سيحل البلاء على سوق المرابط .. هذا الحي التجاري المكتظ بالبيوت والسكان.. كما سيشهد هذا الحي معركة ضارية بين عناصر سرايا الدفاع وعناصر الوحدات الخاصة.. من أجل الوصول إلى سوق الصاغة واحتلاله، هذا السوق الضيق الذي يقع في منتصف سوق المرابط تماماً..

لأيام خلت استطاع سكان حي المرابط أن يفتدوا أرواحهم بالممتلكات، يقدمونها للجنود، فيتم العفو عنهم.. لكن ذلك لم ينقذ الحي.. وحين وصل التعداد إليه.. خرج رجاله من البيوت الآمنة على أيدي الجند، وكان يصيبهم الضرب والجلد.. ثم الإعدام. وقد بلغ عدد الشهداء من عائلة واحدة في هذا الحي هي عائلة “النوري” أربعين شهيداً. أما ما تبقى من الرجال في الأحياء المجاورة على قيد الحياة.. فقد جمعوا أرتالاً أرتالاً.. وهددهم الجنود بجعل الدبابات تمشي فوقهم، إذا لم يرددوا الشعارات التي تقدس حافظ أسد وشقيقه رفعت: (لا إله إلا الله حافظ ولي الله …)… (قائدنا من القرداحة.. بيعطي على الله لاحة) بالعامية ويردد المساكين والجنازير وأعقاب البنادق تنهال على رؤوسهم.

ولا تنتهي المسرحية عند هذا الحد. . يساق الجميع بعد ذلك إلى معتقل المدرسة الصناعية مشياً على الأقدام وعلى طول الطريق عبر شارع العلمين كانت أفواج المعتقلين تهرول أمام الجند حافية تتلقى الضربات بصمت وصبر.. وحين تصل إلى المعتقل.. فإن أحداً لن يستطيع أن يتوقع خروج رجل واحد.. فمعظم المعتقلين كانوا يعدمون على الفور، وتلقى جثثهم في حديقة المستشفى الوطني.

معركة سوق الصاغة: تستحق هذه المعركة أن نتوقف عندها قليلاً.. إنها تقدم فكرة واضحة عن (الأخلاق الثورية) التي يتمتع بها حراس النظام.

عومل سوق الصاغة من بداية الأحداث معاملة خاصة.. فقد طوّق بحراسة مشددة ويبدو أن الأوامر كانت صريحة إلى الجنود الصغار.. بعدم الاقتراب من المخازن إلا بإشراف الضباط الكبار المسؤولين. بدأ الصراع حقاً بداية الأحداث بين ضباط الوحدات الخاصة وضباط سرايا الدفاع حول أحقيّة كل من الطرفين في نهب السوق.. وتطوّر هذا الصراع يوم الاثنين إلى صدام عنيف على مدخل السوق، وقد استخدم الطرفان المتصارعان السلاح الخفيف والثقيل. على أثر ذلك حصلت مداخلات من قبل رجال السلطة، وعلى أعلى المستويات، تقرر بعدها أن يكون سوق الصاغة من نصيب السرايا التابعين مباشرة (لرفعت أسد) على أن يسمح للوحدات أن تقوم بنفس اليوم بتفتيش منطقة (المدينة) حيث يسكن معظم الصاغة.. ولابدّ أن يكون هؤلاء قد احتفظوا بشيء من الذهب في بيوتهم، وكانت حجة ضباط السرايا منطقية لأن جنودهم كانوا مشغولين طيلة الأيام الماضية بعمليات الإبادة، وما تسنَّى لهم السرقة كما يجب، بينما استغل ذلك جنود الوحدات الخاصة، فسرقوا ونهبوا، وجمعوا الذهب من معظم بيوت المدينة. وفعلاً.. وضع ضباط السرايا أيديهم على سوق الصاغة، وأقاموا لهم مركزاً لتجميع المصوغات في أحد المخازن. بالطبع جمع الذهب بكامله، وفتحت الصناديق الحديدية بدقة وعناية، وعلى أيدٍ مدربة.. وحين فرغت المخازن تماماً، تركها ضباط السرايا نظيفة إلا من الصندوق الحديدي الفارغ الذي احتفظ به معظم الصاغة فيما بعد.. للذكرى.

حي باب القبلي والمدينة والجراجمة:

(باب القبلي) من الأحياء المتطرفة عن المدينة، وهو يشكل مع منطقة الجراجمة حزاماً من الفقر، يحيط بحماة من جهة الجنوب، بيوت هذه الأحياء المتواضعة تؤوي في داخلها لألوف من كادحي هذه المدينة. تلك الأحياء التي تنتهي عملياً عند (الجامع الكبير) أقدم جامع في سورية، كانت هدفاً (منذ الساعات الأولى) مركّزاً لهجوم الصواريخ، فاحترقت بيوت، وهدمت بيوت… فقراء هذه الأحياء تعرضوا لكل أشكال القمع.. الضرب والإهانات والمداهمات.. والسرقات والاعتقال… يوم الاثنين كان الموعد الذي لا ينسى. اصطف الرجال بالعشرات.. على حائط الجامع الكبير ضربهم الجند بأعقاب البنادق.. وقالوا لهم بالحرف: (لن يكون هناك رب يحميكم.. سنقتلكم الآن) وعلى باب المسجد الكبير.. سقط الشهداء.. وامتزج التراب المبلل بماء المطر بالدماء الطاهرة.. ظلت الجثث أياماً.. ثم حملت بالجرافات إلى الحفر… كان عدد شهداء حي باب القبلي فقط أكثر من مئة شهيد.. بينهم الأطفال الذين لم يتجاوزوا الثانية عشرة من العمر…

أما منطقة (المدينة) فتقع عند نهاية حي باب القبلي.. وتبدأ اعتباراً من الجامع الكبير باتجاه شارع ابن رشد.. المتصل بحي الدباغة. تتميز هذه المنطقة بأنها المقر الطبيعي والدائم لسكان المدينة من المسيحيين ويعرف هذا الحي بجماله لقربه من نهر العاصي، وبالأبنية الفخمة فيه، مع الكنيسة الجديدة التي تقوم في منتصفه. هذا اليوم كان حي (المدينة) كباقي الأحياء هدماً وسرقات وإعداماً جماعياً أغار أولاً جنود الوحدات الخاصة على بيوت الصاغة.. ضربوهم وأسالوا الدم من أجسادهم بحثاً عن الذهب.. ثم جمعوا الشباب من الحي.. ووجهوا إليهم الإهانات والشتائم.. واتهموهم بتأييد المعارضة ضد السلطة.. (الحجة التي كانت تتذرع بها السلطة لذبح المدينة)، بعد ذلك اختاروا العناصر الشابة وأعدموهم على الفور. لقد دفعت (حماة) الثمن غالياً من دم رجالها المنتسبين إلى كل الطوائف جزاء وعيها الوطني.

الثلاثاء: التاسع من شباط

طوال الليل.. لم ينقطع إطلاق الصواريخ.. وكانت أصواتها تخرق الآذان كسكين حادة.. تتوجه عبر الظلام الدامس -وبصورة عشوائية- نحو بيت تعيس سيحترق مع سكانه بعد لحظات. وكنا نتوقع دائماً أن تكون في عداد الأهداف الصاروخية. يطلع الصباح عن يوم لا يقل سواداً عن الليل… البيوت الحزينة الصامتة، سيكون أمامها اليوم جولات جديدة.. أثناء النهار خف إطلاق الصواريخ على منطقة السوق.. واقتصر على الجانب القديم – منطقة الحاضر. في هذا اليوم ستقوم السلطة بجمع الجثث من الشوارع الرئيسية، ودفنها على عجل وفعلاً نشطت الجرافات، وانشغل العساكر بجر الجثث.. التي خلفت وراءها الألبسة المثقبة بالرصاص، والأحذية المدماة، وبقايا الشعر البشري الذي ظل ملتصقاً بالأحجار والتراب.

عصر هذا اليوم.. كانت أكثر الجثث داخل الحفر الجماعية.. وأهيل فوقها التراب.. فكان لابد أن يحتفل جنود سرايا الدفاع على طريقتهم.. وبدأ الاحتفال حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر…

على طول الطريق الممتد من مدرسة (المرأة العربية) حتى منطقة البياض (إحدى المناطق الحديثة) كان الجنود يدفعون أمامهم أعداداً غفيرة من الأهالي، معظمهم من النساء والأطفال، مع عدد من الرجال.. وكانت الجموع تردد الهتافات بحياة حافظ أسد وشقيقه رفعت.. ومن لا يرفع حنجرته بالهتاف، تعاجله أعقاب البنادق والهراوات. طلب الجنود من النسوة (وهم يقهقهون) الرقص.. ومن لا تفعل فستنال جزاءها برصاصات سريعة. رقصت النسوة وهن يبكين.. وسط ضحكات عناصر الأخوين: أسد.. كان الرجال قد حنوا رؤوسهم إلى الأرض.. لم يستطع أحدهم أن يرى المشهد… كان الموت في تلك اللحظات أهون مما يجري أمامهم.

الأربعاء: العاشر من شباط

هدأ إطلاق الصواريخ هذا الصباح، واقتصر الأمر على الرصاص الذي كان ينهمر بلا سبب واضح بين دقيقة وأخرى… منطقة السوق ستكون اليوم أهدأ من أي يوم سابق، أما الحي القديم من المدينة، فلا يزال داخل جهنم، ولا تزال الصواريخ تدك ما تبقى من بيوت.. لقد بدا واضحاً أن الأحياء المتقدمة من الجانب القديم للمدينة، قد أصبحت تلالاً من الركام المختلط بمئات الجثث من المواطنين الأبرياء…

أحياء: البارودية -الشمالية- الزنبقي… صارت أثراً من الأطلال.

ووجه المدينة الجغرافي والسكاني يتغير.. والحقد على حماة إلى مالا نهاية. هذا اليوم -وفي بعض الشوارع الرئيسة -من منطقة السوق يستطيع بعض المحاصرين الخروج إلى مسافات محدودة.. لقد سمح الجنود لسكان بعض الأحياء بالتجول، يندفع الأهالي مباشرة إلى أماكن الإعدام الجماعي، لكنهم لا يجدون شيئاً.. يقلبون الأحذية.. والألبسة المثقبة.. ومن خلالها يتعرفون على بعض أهليهم.

كانت الدماء بقعاً واسعة لم يستطع المطر الهاطل منذ يومين أن يمحو بعض آثارها.

 كان مشهد المدينة فظيعاً.. وخرافياً.. لا يُتصور إلا في الأحلام والكوابيس. حماة في اليوم الثامن للمجزرة.. ليس فيها سوى الدمار والدم وسارقي الحياة.

الخميس: الحادي عشر من شباط

بعد تسعة أيام من الحصار والموت والجوع، يصبح الخوف في نفوس الأهالي الصابرين لا مبرر له. لقد ألفوا الموت وألفهم.. لذلك يخرجون من البيوت.. نساء وأطفالاً يمشون في الشوارع، لا يصدقون ما تراه عيونهم.. الجنود ينظرون إلى الأهالي.. بلا مبالاة.. بل كانوا يشجعون البعض على الذهاب إلى الأسواق لرؤية الدمار الحقيقي.. كانوا لا يخفون حماسهم لهذا الإنجاز الرائع (المدينة المدمرة) الصورة الأكثر تعبيراً عن حضارة (النظام الأسدي)..

كان مشهد المدينة المذبوحة أقسى من كل مشاهد الموت الجماعي.. الأسواق ركام من الأخشاب والأحجار والحديد.. مع فتحات سوداء كانت تعرف فيما مضى بالدكاكين..

منظر سوق الطويل يبعث على القشعريرة.. نفق مظلم دون نهاية، داخله أكوام من الحجارة السوداء المحترقة، تعلوها بقايا البضائع المرمية في كل اتجاه..

حماة في يومها الحادي عشر لا تختلف عن صور المدن القديمة البائدة التي كان يتركها الغزاة وراءهم أثراً بعد عين. كأن زلزالاً قد هزّها بقوّة، فقلب عاليها على سافلها.. أو كأن يداً شيطانية آثمة عصرت قلب المدينة عصراً.. فانهار كل شيء على كل شيء..

وبعد اليوم الحادي عشر، يستطيع الأهالي، وخلال ساعات محددة، التجول لتأمين الحد الأدنى من مستلزمات الحياة.. التي كانت تفد على المدينة من القرى.. سيارات الخبز والخضار.. مشهد الأهالي الصامتين الباقين على قيد الحياة.. كان يعبر عن عمق المأساة الآنية والقادمة.. بعد فقدان كل شيء..

الجمعة الثاني عشر من شباط:

هذا اليوم وما تلاه من أيام المحنة.. لم يكن أخف وطأة، بالرغم من رفع الحصار النسبي عن بعض الشوارع، فقد بدأت ترد القصص تباعاً على ألسنة الناس، وكان كل ما سمعناه سابقاً، على هوله، لا يشكل إلا جزءاً يسيراً من الحقيقة. بعض القصص لا تستطيع الطاقة البشرية احتمال تفاصيله، وبدأنا برحلة تقصي حقائق جديدة.. وسمعنا للمرة الأولى بمجزرة العميان.. بمجزرة الأطفال، بمجزرة مفتي المدينة وشيوخها، بمجزرة النساء في الحمامات القديمة، بجرائم المستشفى الوطني، بحكايا المعتقلات مع عشرات القصص المروعة التي يقف دونها العقل البشري ذاهلاً مشدوهاً وعاجزاً عن التصور والفهم، ناهيك عن المنطقة القديمة التي لا تزال جحيماً يشتعل.. وجثثاً تقذف تحت الركام والرماد..

 مأساة الحي القديم لا يمكن حصرها ولا رصد صورها، لأن شهودها يقبعون اليوم في الحفر الجماعية، أو تحت مياه نهر العاصي، ومع ذلك، تسربت فيما بعد، بعض الحكايا التي تعبر عن جانب يسير من مأساة الحي القديم لا نستطيع سردها لكثرتها وتداخلها حيث يشكل كل إنسان هنالك مأساة متكاملة.

 ننتهي من يوميات الحزن، لنعرج على تفصيلات بعض المجازر.

مجزرة العميـان:

 في منطقة المحطة مدرسة للمكفوفين.. تعلّم القرآن واللغة العربية.. ويقوم على التدريس فيها شيوخ عميان مقيمون.. أثناء الأحداث داهم جنود سرايا الدفاع المدرسة.. لم يجدوا في داخلها سوى الشيوخ.. ومعظمهم ناهز الستين من العمر.. وبعضهم متزوج وعنده عدد من الأولاد. لنستمع إلى التفاصيل.

يبدأ الجنود بضرب الشيوخ بالجنازير.. فتسيل الدماء من رؤوسهم وأيديهم.. يتوسل المكفوفون.. لكن الجنود لن يتوقفوا عن الضرب إلا بشروط.. ما هي الشروط؟

يطلبون من الشيوخ العميان أن يرقصوا.. يبكي هؤلاء.. لكن العساكر يشعلون قطعة من الخشب ويضعونها على لحى المكفوفين.. ويحترق الشعر الأشيب في الوجوه الطاهرة، ويهدد الجنود من جديد -إما الرقص وإما الموت حرقاً.. فيرقص الشيوخ العميان.. والجنود يضحكون.. وحين تنتهي المسرحية.. يتقدم الجنود بكل بساطة، ويشعلون النار في ثياب المكفوفين، ثم يطلقون الرصاص، ويتلوى الشهداء، ويسقطون صرعى، لكن جثثهم تتابع الاحتراق.

من شهداء هذه المجزرة الشيخ شكيب وهو كفيف ناهز الستين من عمره، والشيخ أديب كيزاوي وعنده تسعة من الأطفال، والشيخ أحمد الشامية مقرئ القرآن الضرير.

مجـزرة المفـتي والعلمـاء:

أما علماء الدين فقد تبعوهم إلى بيوتهم، واقتادوهم واحداً بعد الآخر. بدؤوا أولاً بمفتي حماة الشيخ بشير المراد، ويقع بيته في منطقة باب البلد.. ذهب الجنود إليه، وأخرجوه من داره مع مجموعة من أقربائه.. وأخذوا يضربونه.. ويـعفرون لحيته بالتراب.. وقاموا بسحبه على الأرض، ثم أحرقوه وهو حي.. (ذهب من هذه العائلة تسعة شهداء كلهم من علماء الدين).

أما الشيخ منير حوراني، فقد اقتادوه مع ولديه.. وأعدموهم جميعاً، وكانوا قد أعدموا ابنه الشهيد رائد الحوراني قبل سنوات.

الشيخ عبد الله الحلاق: اقتادوه من أحد الملاجئ وكان مع مجموعة من أهل الحي.. طلب منه الجنود ساخرين أن يتلو القرآن، عسى أن يجد الله له مخرجاً! أطرق الشيخ الجليل الشجاع، وقرأ بعض آيات القرآن الكريم.. لكن الضابط المسؤول سخر وقال له: “إن ربك لن ينجدك، لقد حانت ساعتك، وسنضعك في جهنم” اقتادوه إلى سوق الحدادين، وسكبوا عليه برميل المازوت، وأحرقوه.. نعم.. أحرقوا هذا الشيخ الوطني الجليل ابن الثمانين عاماًَ دون أن يتحرك فيهم عصب، أو يرفّ لهم جفن.

الشيخ عبد الرحمن الخليل: وهو عالم ضرير.. ناهز الثمانين من العمر. عرف منذ شبابه بمواقفه النضالية ضد كل أشكال التسلط السياسي والاجتماعي. هذا الشيخ الفاني يسكن في حي الحاضر، وقد احترق منزله أثناء القصف الصاروخي.. يقول شهود العيان من جيرانه الذين أخذوا بالهرب حين بدأت البيوت كلها تشتعل: إنه أخذ يستنجد ويطلب من الجنود الذين حوله أن يساعدوه على الخروج.. لكنهم ألقوا على المنزل قنبلة حارقة، فتهاوى البيت كلياً.. واحترق الشيخ داخله.

 نترك هذه الأحداث دون تعليق.. فالكلمات واللغة عاجزة عن الوصول إلى التعبير المناسب.

مجـزرة الأطفـال:

 في نهاية شارع الثامن من آذار، حيث يقوم تقاطع مع سوق الطويل، يقع مسجد يسمى (الجامع الجديد) في داخله وقعت مجزرة رهيبة بعد أربعة عشر يوماً من الأحداث.. وكان الناس قد بدؤوا يخرجون قليلاً إلى الشوارع. طلب الجنود من الأهالي التوجه نحو سيارات الخبز في طرف الشارع.. أسرع الأطفال، وكانوا بالعشرات، حملوا الخبز وقفلوا عائدين.. اعترضهم الجنود.. وطلبوا إليهم الدخول إلى الجامع الجديد، وهناك فتحوا عليهم النار.. وسقطت الأجساد الطرية، وسالت الدماء الطاهرة على الخبز الذي كان لا يزال في الأيدي الصغيرة.

مجـزرة النسـاء في الحمـامـات القـديـمة:

 القصص هناك لا تصدق.. يرويها الناس بجنون وذهول.. كان الجنود يدخلون إلى الملاجئ، وينتقون الفتيات الصغيرات، ولا يعرف الأهل بعد ذلك عنهن شيئاً.

في حمام الأسعدية الكائن في منتصف سوق الطويل، وجدت جثث كثيرة لفتيات معتدى عليهن ومقتولات.

مجـازر المستشفى الـوطني:

وهذه المجازر فاقت الوصف والتصور..

داخل المستشفى كانت واحدة من فرق الموت التابعة لسرايا الدفاع، قد تمركزت بصورة دائمة طوال الأحداث، وكان عملها أن تجهز على الجرحى من الأهالي. يقول شهود العيان: كان الوضع في داخل المستشفى رهيباً فظيعاً، القتلى بالعشرات يملأون الممرات والحديقة الخارجية.. وفي بعض الأماكن تكدست الجثث فوق بعضها، وبدأت تفوح منها روائح الأجساد الميتة المتفسخة.. معظم هؤلاء القتلى من الذين كان يرسلهم المعتقل الملاصق للمستشفى في المدرسة الصناعية.. حيث يموت كل يوم العشرات.

 أكثر الجثث كانت مشوهة أو مقطعة أو مهروسة أحياناً، وكان من الصعب التعرف على أي واحدة منها. تجمع كل يوم أكوام الجثث في سيارات النفايات، وتنقلها الشاحنات إلى الحفر الجماعية. أحياناً كان يفد إلى المستشفى بعض الجرحى.. هؤلاء كانوا لا ينتظرون طويلاً.. فإن فرقة الموت تباشر عملها بهمة ونشاط.. وبالسكاكين والسواطير تعمد إلى تقطيع الجسد الجريح. في إحدى المرات.. قتلوا جريحاً.. وأخرج أحد الجنود قلبه.. هذه القصة ليست خرافية.. والشهيد الذي أخرجوا قلبه يدعى (سمير قنوت) من حي الحاضر.

قصص المستشفى الوطني كثيرة جداً.. حيث تحول هذا المكان إلى مسلخ بشري لا مثيل له في التاريخ القديم والمعاصر.

الهمجية الجديدة تتفوق على الهمجية القديمة في فن الاعتقال والتعذيب حتى الموت حرقاً أو جوعاً أو تقطيعاً بالسواطير والسكاكين.

المعتقلات في حماة:

أثناء الأحداث كثيرة متعددة، لكن أشهرها معتقل المدرسة الصناعية.. هذا المعتقل حشدت السلطة في داخله الآلاف.. وتكدست الأجساد البشرية المنهكة داخل الغرف الواسعة الباردة. كان المعتقلون يظلون أياماً بلا طعام.. يدخل عليهم الجنود بعد يومين.. بشيء من الماء والخبز اليابس.. وينثرون ذلك أمامهم كما تطعم الكلاب والقطط. ويخضع المعتقلون إلى عمليات تحقيق يتخللها تعذيب وحشي على أيدي الجنود والضباط.. وغالباً ما تنتهي هذه التحقيقات بالسجناء، وقد تحول معظمهم إلى جثث مشوهة ومضروبة بالسكاكين أو البلطات، وبعضهم هرست رؤوسهم بملزمة الحدادين هرساً. بعض السجناء كان يحاول الانتحار تخلصاً من العذاب النفسي والجسدي الطويل.. وبعض السجناء كان يطلب من الجنود أن ينفذوا حكم الإعدام فيه على الفور، وسريعاً ما يلبون الطلب.

قصص لا تصدق يرويها بعض الناجين من المعتقلات عن صورة جهنم نظام أسد القابعة في المدرسة الصناعية.

– في معتقلات أخرى كانت الأمور أدهى.. ففي معمل البورسلان وتحت إمرة الجيش مباشرة اقتاد الجنود الآلاف من الرجال.. تركوهم في العراء وتحت المطر والبرد بلا طعام.. وكالعادة كانت التحقيقات تنتهي بجثث جديدة.. لا تقذف هذه المرة في حديقة المستشفى الوطني.. بل تتلقفها الأفران ذات الحرارة المرتفعة جداً في معمل البورسلان، داخلها أُحرقت مئات الجثث.. وهكذا يتكشف علم الجريمة عن آخر منجزات الحضارة (الأسدية). ومن معتقل البورسلان نقدم صورة واحدة معبرة (مصرع الدكتور حكمت الخاني) وقد تم على يد الجنود وأمام مجموع المعتقلين.

كان الجنود قد جمعوا المعتقلين أرتالاً.. وبدؤوا يسألون عن بعض الأسماء.. وكان الطبيب الشهيد مع السجناء.. عرف الجند أن من بين معتقليهم رجلاً طبيباً، وهذه صفة يجب أن تأخذ حقها من العقاب في عرف السلطة الغاشمة. سحب الجنود الدكتور الخاني ورموه أرضاً.. وبدؤوا بضربه وركله.. يقول أحد المعتقلين: فجأة رأيت الدكتور الخاني يتدحرج كالكرة على الأرض، وتنفر الدماء من رأسه. تقدم الجلادون بعد ذلك وبدؤوا بضربه بالبلطات وهو يتلوى، ثم صاح أحدهم: أنت طبيب عيون.. سنقتلع عينيك.. وفعلاً.. تم اقتلاع عيني الدكتور على مرأى من المعتقلين وبقايا الحياة لا تزال تسري في جسده ثم سحبت الجثة ورميت يومين على باب المستشفى الوطني. هذه عينة واحدة من جرائم المعتقلات وهي غنية عن التعليق.

بعد ذلك، هل اكتفت السلطة؟.. لنلق أولاً نظرة على واقع المدينة بعد أسابيع ثلاثة من بداية المجزرة، حتى العشرين من شباط كانت التقديرات الأولية على النحو التالي:

عدد القتلى يقارب الثلاثين ألفاً.. نسبة الخراب الكامل حيث تحولت الأحياء إلى ساحات ترابية بلغت 40% من مساحة المدينة.

الحياة الاقتصادية معدومة كلياً بعد التخريب الكامل لجميع الأسواق ونهبها وحرقها فضلاً عن استشهاد أو اختفاء العدد الأكبر من التجار أصحاب المحلات التجارية.

الوضع السكاني رهيب.. وتدل الإحصاءات أن الفاجعة كانت من الشمول بحيث لم تبق عائلة واحدة في المدينة لم تفقد بعض رجالها أو كلهم أحياناً..

ماذا يريد مصاصو الدماء أكثر من ذلك؟.. سنترك الإجابة لأحد كبارهم الذي لم تروِ دماء الثلاثين ألفاً عطشه…

في الثاني والعشرين من شباط

حدثت الواقعة التالية، وهي باتت معروفة للجميع يتناقلها الجنود والأهالي على السواء.. يزور رفعت أسد المدينة ويحوم فوقها بطائرة هيلوكبتر، حتى يتأكد بنفسه من حجم الدمار.. بعد ذلك يعقد اجتماعاً في المطار مع كبار ضباط سرايا الدفاع، ويسألهم عن التقديرات الأولية لعدد القتلى. يقولون: عشرين ألفاً، لكن الجلاد لا تسره الإجابة فيقول: هذا الرقم قليل بالقياس إلى تعداد سكان المدينة البالغ أكثر من مئتي ألف.. يجب أن يرتفع الرقم.. يجيب أحد الضباط: لقد اعتقلنا معظم الرجال الباقين، واحتجزناهم في المعتقلات، لكن عدداً لا بأس به من أبناء المدينة، استطاع الهرب أثناء الأحداث باتجاه القرى.

هنا يطلب (رفعت أسد) بالتحديد أن يوعز الجيش المتواجد في حماة إلى السكان أن الأمور قد انتهت عند هذا الحد، وأن منع التجول سيرفع عن المدينة اعتباراً من نهاية الأسبوع.. وفعلاً بدأت في اليوم التالي (تحديداً في الثالث والعشرين من شباط مساء الثلاثاء) سيارات الجيش تذيع بمكبرات الصوت انتهاء منع التجول اعتباراً من صباح الأربعاء (الرابع والعشرين من شباط) شاع الخبر بسرعة، وعاد عدد كبير من المهاجرين إلى حماة مساء يوم الخميس (الخامس والعشرين من شباط) إلى بيوتهم وممتلكاتهم.. وكانت الواقعة الرهيبة يوم الجمعة السادس والعشرين من شباط.

مجزرة السادس والعشرين من شباط (الجمعة الحزينة):

منذ الصباح تهدر شاحنات الجيش على الطرقات وتظهر حركة غير عادية من تنقلات الجنود الذين انسحبوا وتمركزوا في معظم الأبنية المرتفعة. بعض الناس ممن وفرتهم المجزرة كانوا في الشوارع أو على أبواب البيوت.. وكان الجميع يتناقلون الأخبار بذهول. في أزقة جانبية تكاثر تجمع الأهالي أطفالاً ونساء وعدداً من الرجال الناجين، وهذا طبيعي بعد السماح بالتجول وبعد حصار دام أسابيع ثلاثة. يبدأ عمل الأهالي ويقودون ما تيسر منهم شيوخاً وأطفالاً ورجالاً خرجوا لتوّهم من المعتقلات، وحين لا يكون العدد وفيراً يقرعون الأبواب (دون تمييز) ويطلبون المزيد ولم يأت عصر هذا اليوم إلا والشاحنات قد امتلأت بما يقارب الثلاثة آلاف من المعتقلين بينهم رجال شيوخ تجاوز بعضهم الثمانين عاماً.. وكان ظن الجميع أن العملية وقائية لامتصاص ردات الفعل على إثر فتح التجول.. لكن الشاحنات توجهت إلى مقابر (سريحين) وداخل عشرات الحفر المتسعة أُجبر المعتقلون على الركوع وانهمر عليهم الجحيم والموت دفعة واحدة من رصاص المئات من جنود سرايا الدفاع المدربين جيداً على معالجة حالات كهذه، وانتهى يوم السادس والعشرين من شباط الأسود وقد ارتفع عدد الشهداء في المدينة إلى ما يقارب الخمسة والعشرين ألفاً من الشهداء، لم ينج من المذبحة سوى رجل واحد. حين انهالت الجثث عليه.. انتظر هبوط الظلام وغادر المقبرة عبر البساتين والقرى وكان هو الشاهد الوحيد الباقي على قيد الحياة الذي روى حقيقة المذبحة على النحو الذي وصفناه آنفاً.

من شهداء هذه المذبحة: عبد الرحمن نعيمي.. وهو شاعر وله قصائد متعددة في مديح حافظ أسد لم تنفعه يوم المذبحة. المحامي تايه جمعة وهو من الأعضاء البارزين في الحزب الشيوعي التابع لخالد بكداش. المواطن (عيسى عرجة) مسيحي ويبلغ الثمانين من العمر. (منقذ ريس) وعمره أحد عشر عاماً.

بعـد شـــباط:

وينتهي شباط.. لكن السلطة لم تنته بعد.. وطوال شهر آذار يمتد العقاب ليتناول هذه المرة حجارة المدينة وقبورها وآثارها وجوامعها وكنائسها.. وهكذا يرتدي الحقد الطائفي ثوباً جديداً. محمد ياسمين واحد من أبرز ضباط سرايا الدفاع عينته السلطة خلال آذار حاكماً عرفياً على المدينة، لكن المساجد بمآذنها تحرك أحقاد الوالغين بالدم.. ويصدر ياسمين أوامره.. يجب أن تهدم كل الجوامع.. وتبدأ المعركة مع الحجارة.. في كل يوم تتكفل أطنان من الديناميت بقتل المقدسات والتراث والتاريخ.. بدؤوا بالجامع الكبير وعمره آلاف السنين.. ظلوا يومين يعملون حتى استطاعوا تقويض أركانه.. جامع السلطان لم يستطيعوا هدمه كلياً، فضربوا المئذنة والسقوف واتكأت الحجارة البيضاء الحزينة على بعضها وانتثرت المصاحف بينها واختلطت الأوراق المقدسة بالركام، وعلى مدى أسبوع كانت مساجد المدينة تلالاً من الحجارة والإسمنت والتراب، لكن الحقد مازال يشتعل في الصدور وسيمتد إلى الكنائس.. سرقت الأيقونات المقدسة والثريات والتحف منها أولاً.. ثم جاء دور التدمير. تحولت الكنائس إلى خراب ودمار.

الأبنية القديمة في حي الكيلانية الأثري.. وفي منطقة الحاضر.. تحولت بفعل التلغيم والتفجير إلى فجوات ترابية هائلة.

سوق الطويل قبل حرقه قاموا بهدمه كلياً.. وأصبح نفقاً طويلاً من الحجارة والركام والجدران المهشمة المتداعية، حتى المقابر نالت نصيبها من الحقد الطائفي، وعلى مدى أسبوع تكفلت الجرافات والمداحل بتسويتها مع الأرض.. وهكذا استوى في المدينة الشهيدة الأحياء والأموات.

Discussion

No comments yet.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Tip Box!

Working solely on tips!

CC

Creative Commons License

Permissions beyond the scope of this license may be available at SyrianGayGuy@gmail.com.

Enter your email address to subscribe to this blog and receive notifications of new posts by email.

BDS

Sami’s Archives

%d bloggers like this: