أنا مثليّ… أنا سوريّ… 2

ملاحظات هامة قبل بدء القراءة

1- كُتبت هذه السلسلة في نهاية عام 2010، ولكن انشغالي بمرض والدتي، ثمّ متابعة الثورات العربية، ومن ثمّ انشغالي بالثورة السورية، منعني من نشرها، ولهذا أيضاَ اضطررت لتدوين ملاحظات في نهاية المقالة.

2- قررت نشر هذه السلسلة لأخلص إلى ما يمكن أن يؤول إليه واقع المثليين والمثليات ومتحولي الجنس في المنطقة بعد هدوء عواصف التغيير، وخلالها أيضاً.

3- كانت المقالة الأولى من هذه السلسلة قد نشرت على موقع Gay Middle East ولكنني توقفت عن التعامل مع الموقع منذ مدة، ولهذا سأقوم بنشر المقالات هنا تباعاً، وأرجو ممن يرغب بإعادة نشرها أن يراسلني لضمان صحة بعض الملاحظات، مع الشكر.

*****************************************************************************************************

أنا مثليّ… أنا سوريّ… 2

“فَقُلْتُ: مَاذَا أَفْعَلُ يَا رَبُّ؟ فَقَالَ لِي الرَّبُّ: قُمْ وَاذْهَبْ إِلَى دِمَشْقَ.” – أعمال الرسل – 22 : 10.

“إن فُسطاطَ المسلمين، يومَ الملحمة، بالغوطةِ إلى جانب مدينةٍ يقال لها دمشق، من خير مدائن الشام.” حديثٌ نبويّ إسلاميّ.

إنها دمشق… حيثُ أبصر التاريخُ النور، إنها أقدم المدن، وخير مدائن الشام، إنها حيث شاء الرب أن يذهب شاؤول قبل أن يبصر قلبه النور.

لن تتحدث إلى عربيّ دون أن يقرن فخره ببلده بآيةٍ ما من كتابٍ سماويٍّ ما، إنّ ذلك هو نتاج ما زرعه من هم أسباب المشكلة الأولى، الدين. ومن يجعل من الدين مشكلةً إلا رجال الدين؟ لقد حوّلَ رجال الدين المجتمعات العربية، والمجتمع السوري لا يختلف عنها، إلى توابع هامشيةً لهم، إن الدين والمجتمع متصلان اتصالاً وثيقاً عند الحديث عن المثلية، فما يحرك المجتمع هو وهمٌ ديني من بين أشياء أخرى.

المشكلة الثانية: المجتمع

إن المجتمعات العربية قد أسلمت زمام أمورها لرجال الدين*، فالحاكم مستبدٌّ وظالم، والناس يرغبون بالتجمع حول ما يجعلهم على الأقل يشعرون براحةٍ ما، “ما لا نستطيع أن نناله في هذه الدنيا، سنناله في الآخرة، وسنذهب إلى الجنة”… ربما كانت هذه هي الفكرة السائدة في كل مكان، لكن ما نسيه العرب أن رجال الدين ليسوا إلا موظفين لدى السلطة، يأتمرون بأمرها بكل خضوع ومذلة.**

اضطررت للذهاب في مناسبات عدة إلى بعض الدروس والخطب والوعظات الدينية، في الكنائس والجوامع، خاصةً عندما كان مجتمع المثليين يتعرض لهجمات من قبل سلطات الدولة، ولكم دهشتُ أنني كنت في أي مكان أذهب إليه، أجد الشيخ أو الخوري ينقض بهجوم ضارٍ على “ظاهرة الشذوذ في المجتمع”. ولعلّ من المفارقات أن الدولةَ عندما كانت تتعرض لهجمة شرسة على الصعيد الدولي، يبدأ الجميع بالحديث عن أشياء كثيرةٍ غريبة، من بينها المثلية، أو بالأحرى كما ذكرتُ آنفاً، “الشذوذ”.

قد لا يكون رهاب المثلية في المجتمع السوري على ذات السوية التي هو عليها في دول أخرى، كمصر والعراق والأردن على سبيل المثال، لكن هذه المشكلة في سوريا كانت وستبقى دوماً موجودة، وبرغم أن الدين هو محركها الرئيس، إلا أن العادات والتقاليد التي لا تمت للدين بصلة، بالإضافة إلى عملية القمع لكل المجتمع، تتحكم أيضاً في النزعة الرهابية من المثلية بشكل كبير، لكن علينا ألا ننسى أن كثيراً من العادات هي عرضة للتبدل والتغيير، مهما كانت درجة رسوخها. وما كان لرهاب المثلية بحد ذاته أن يشكل خطراً كبيراً لولا أعراضه الأخرى التي قد تتحول من مجرد مقاطعة وغمزٍ واستخفاف بالمثلي “المفتضح أمر مثليته”، إلى حد أعمالٍ انتقامية عنفية قد تصل إلى حد القتل.

لا زلت أذكر عام 2008 بوضوح، ففي صيف ذلك العام كنت أنتظر نتائج بعض امتحاناتي، وفي ذات اليوم الذي عرفت فيه بأمر نجاحي، اتصل بي صديق تركي مقيم في دمشق ليقول لي: “أحمد يلدز Ahmet Yildiz قد قتل في اسطنبول، على الأغلب أن والده أرسل شخصاً ما ليقتله، أو ربما قام بذلك بنفسه”. كان أحمد قد زار سوريا قبل ذلك، وتعرف الكثيرون منا إليه، وكانت حادثة وفاته بمثابة تذكير بما يمكن أن يحدث أيضاً لنا، في سوريا.

لم يكن الخوف من القتل انتقاماً على “تلطيخ أو تشويه اسم العائلة” المحرك الأكبر لخوف السوريين بقدر الخوف من القطيعة الاجتماعية أو الطرد من الوظيفة، إلا أنني على مر السنوات القليلة التي جعلتُ فيها من قضايا المثلية الجنسية في سوريا شغلي الشاغل، شهدت الكثير من الحوادث المؤسفة، والمرعبة، حتى أن بعضها كان ليصلح ليكون فيلماً سينمائياً أو روايةً سوداوية المعالم.

رهاب المثلية أمرٌ واقع وموجود، ويزيد من اشتعاله اشتغال الحكومات بتأجيجه بين حين وآخر، ولكن وبرغم كثرة النظريات في مسببات رهاب المثلية، إلا أن العنف الناتج عنه يحتاج لخوض في الأسباب أيضاً.

رجال الدين يكررون مراراً على مسامع عباد الله، الصالحين منهم والطالحين، أن المثلية هي شذوذ وخروج عن الطبيعة، يعاقب مرتكبها بالذهاب إلى النار في الآخرة، أما في الدنيا فقد اختلق المسلمون حديثاً ليس له وجود في أيٍّ من كتب الحديث الستة ليدّعوا أن عقوبة “من عمِلَ عمَلَ قوم لوط” هو الرمي من أعلى بناء أو الرمي من شاهق.

يستمع إليهم هذا الشعب المثقل بأغلالٍ من القمع وتكميم الأفواه، ويقتنع أن هذه “الظاهرة” “الدخيلة” هي إحدى المؤامرات “الغربية والصهيونية” التي تريد انحلال المجتمع كي لا يتمكن من متابعة الصمود والتصدي لأطماع الغرب في الشرق الأوسط.

خطبة دينية واحدة، وعظة دينية واحدة، تحول مؤخراتنا إلى عملاء للصهيونية، وتجعلنا كفاراً دخلاء على المجتمع، متشبهين بالغرب الذي يريد الانقضاض على الفتات الباقي لهذا المجتمع ليحرمه منه ويرميه على درب الهلاك.

ويجد هذا الشعب المكمم الأفواه والمقيد بأغلال القمع في رفضه لنا طريقاً ليعبّر لمرّة عن رفضه لشيء ما، حتى إن كان لا يرفضه، ويجد في عنفيته ضد المثليين تنفسياً عن كل الغضب الذي يحمله، دون أن يشعر أحياناً، تجاه الحاكم أو الشيخ أو الخوري، تجاه دار الحكومة أو الجامع أو الكنيسة، تجاه كل ما يريد له أن يكون مسيراً رغماً عنه في اتجاه ما.

أنني مؤمن بشدة أن مجتمعاتنا العربية لا تؤمن بالعنفية، لكن ممارساتها العنفية ضد المثليين مردها بشكل خاصٍ إلى افتقارها لجميع أشكال الحريات التي تستحقها. ويؤسفني القول أنني لا أؤمن كثيراً بالعمل على إحداث تغيير في المرحلة الحالية على نظرة مغايري الجنس للمثلية، ولا أؤمن بالعمل على طلب التقبل منهم، بقدر ما أؤمن أن مهمتنا الأساس في مجتمعاتنا هي توعيةُ المثليين ونشر ثقافةٍ مثليةٍ جديدة، وترسيخ ذهنية التكيف مع الوضع القائم دون أن يتحول ذلك إلى خوف مرضيّ.***

*****************************************************************************************************

تعليقاتي ما بعد الثورات على ما كتبته قبلها…

* تَعلُّق أطياف المجتمع المختلفة برجال الدين لن يتغير بعد الثورات، بدليل ما يحصل الآن في مصر وتونس، فالناس كانوا قد جربوا صورةً مشوهةً وقاتمةً عما كانت تدعوه الأنظمة القمعية “علمانية ودولة مدنية”، ولن يتمكن العلمانيون ودعاة المدنية من تحقيق نصر قبل أن تتمكن شعوب المنطقة من تجربة مرارة حكم الأحزاب الدينية لبلادهم.

** لقد قدم مفتي سوريا، حسون، والشيخ البوطي، ناهيك عن رجالات الدين المسيحي السوريين أيضاً في المجمل، الدليل على أن ارتباط رجال الدين بالحاكم هو أقوى من ارتباطهم بالإله الذي يدّعون عبادتهم له… فالشكر لهم جميعاً على ذلك… كل ما تبقى لنا هو إسقاط الأقنعة عن بقية رجال الدين الذين يريدون أن يحققوا انتصارات على حساب الثورات ودماء الثوار… وسيكون ذلك أمراً صعباً وسيجتاج لجهد كبير في رأيي…

*** للأسف كان ليبقى إيماني بلا عنفية مجتمعاتنا أشدّ رسوخاً لولا تصاعد أعمال القتل… ما حصل في سوريا خلال الثورة تجاه المثلية كان أمراً مشرقاً، وربما كان ليبقى كذلك لولا تصاعد أعمال العنف… لا أملك هنا سوى الانتظار والمراقبة مبقياً على إيماني بتغلب الحب في قلوب السوريين على مرارات الخسائر التي مروا ويمرون بها…

يهمني إضافة أمر أخير… أنني عندما حان وقت نشر هذه المقالة، وكان ذلك تقريباً خلال ثورة 25 يناير في مصر، تخوفت من نشرها لأنه كان من الممكن للجميع أن يلمسوا من خلال كلماتي دعوة لتأجيج ثورة في سوريا… وهو أمر صحيح إلى حدّ ما… فقد كنت دوماً أتمنى أن يبدأ حراكٌ ما نطالب من خلاله بحقوقنا الأساسية… ليس كمثليين بل كمواطنين أولاً… حيث أنني كنت مؤمناً دوماً بأن المجتمع الذي يتمتع بكامل الحرية سيصبح أكثر تقبلاً وترحيباً لأن ينال كافة أفراده حقوقهم، والمجتمع المثلي من بينهم.

Discussion

No comments yet.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Tip Box!

Working solely on tips!

CC

Creative Commons License

Permissions beyond the scope of this license may be available at SyrianGayGuy@gmail.com.

Enter your email address to subscribe to this blog and receive notifications of new posts by email.

BDS

Sami’s Archives

%d bloggers like this: